القرطبي

157

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ثم بين وقت وقوعه فقال : " فإذا النجوم طمست " أي ذهب ضوءها ومحي نورها كطمس الكتاب ، يقال : طمس الشئ إذا درس وطمس فهو مطموس ، والريح تطمس الآثار فتكون الريح طامسة والأثر طامسا بمعنى مطموس . ( وإذا السماء فرجت ) أي فتحت وشقت ، ومنه قوله تعالى : " وفتحت السماء فكانت أبوابا " [ النبأ : 19 ] . وروى الضحاك عن ابن عباس قال : فرجت للطي . ( وإذا الجبال نسفت ) أي ذهب بها كلها بسرعة ، يقال : نسفت الشئ وأنسفته : إذا أخذته كله بسرعة . وكان ابن عباس والكلبي يقول : سويت بالأرض ، والعرب تقول : فرس نسوف إذا كان يؤخر الحزام بمرفقيه ، قال بشر : * نسوف للحزام بمرفقيها * ونسفت الناقة الكلأ : إذا رعته . وقال المبرد : نسفت قلعت من موضعها ، يقول الرجل للرجل يقتلع رجليه من الأرض : أنسفت رجلاه . وقيل : النسف تفريق الاجزاء حتى تذروها للرياح . ومنه نسف الطعام ، لأنه يحرك حتى يذهب الريح بعض ما فيه من التبن . ( وإذا الرسل أقتت ) أي جمعت لوقتها ليوم القيامة ، والوقت الاجل الذي يكون عنده الشئ المؤخر إليه ، فالمعنى : جعل لها وقت وأجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم ، كما قال تعالى : " يوم يجمع الله الرسل " [ المائدة : 109 ] . وقيل : هذا في الدنيا أي جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبهم بأن الكفار ممهلون . وإنما تزول الشكوك يوم القيامة . والأول أحسن ، لان التوقيت معناه شئ يقع يوم القيامة ، كالطمس ونسف الجبال وتشقيق السماء ولا يليق به التأقيت قبل يوم القيامة . قال أبو علي : أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتا . وقيل : أقتت وعدت وأجلت . وقيل : " أقتت " أي أرسلت لأوقات معلومة على ما علمه الله وأراد . والهمزة ( 1 ) في " أقتت " بدل من الواو ، قاله الفراء والزجاج . قال الفراء : وكل واو ضمت وكانت ضمتها لازمة جاز أن يبدل منها همزة ، تقول : صلى القوم إحدانا تريد وحدانا ، ويقولون هذه وجوه حسان و [ أجوه ] ( 2 ) . وهذا

--> ( 1 ) وضح المؤلف هذا البدل عند قوله تعالى : ( قل أوحى ) في أول هذا الجزء . ( 2 ) زيادة يقتضيها المقام .